محمد أبو زهرة

1905

زهرة التفاسير

فالكتاب ، ينطق بالحق ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم إنه يتبع الكفر بكل ما سبق الكفر باليوم الآخر ، والكفر باليوم الآخر هو طريق الضلال البعيد ، الذي لا يستطيع التائه الضال إذا سار فيه أن يعود إلى الحق ، إذ كلما أصر على الكفر باليوم الآخر ضل في فهم معنى الحياة ، وبذلك ينزل إلى مرتبة الحيوان الذي لا يعرف أنه موجود لغاية ، وأن له نهاية هي ابتداء لحياة أفضل وأبقى ، ومن ظن ألا حياة إلا هذه الحياة الفانية ، فهو يلهو ويلعب ، ويعيث ويفسد ، ولا ينتقل من ضلال إلا إلى ضلال ، لا يهتدى بهدى ، ولا يسترشد بإرشاد . وإن قوة الإيمان وعظمة الإذعان تكون في الإيمان بالغيب ؛ لأن المؤمن يخرج من أسر الحس إلى انطلاق الروحانية ، فيعلو فيها مدارج ، ويسلك سبلا فجاجا . وإن قوة الإيمان يقين ثابت مستمر ، فلا هداية لمن يكون مزعزع العقيدة ، مضطرب النفس يعرض له عارض فيرى نور الإيمان ، ثم تعرض ظلمة فينطمس ، ويستمر حائرا بائرا ، ولذا قال سبحانه في أصحاب هذه الحال : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً قال شيخ المفسرين ابن جرير الطبري : إن هذه الآية واردة في أهل الكتاب ، فقال في ذلك : « عنى بذلك أهل الكتاب الذين أقروا بحكم التوراة ، ثم أقر من أقر منهم بعيسى والإنجيل ، ثم كذب به بخلافه إياه ، ثم كذب بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فازداد بتكذيبه كفرا على كفره . . ومؤدى هذا الكلام أن هؤلاء هم أهل الكتاب الذين آمنوا بالتوراة ، ثم عبدوا العجل وحرفوا التوراة ، ثم آمنوا بالإنجيل ثم حرفوه وكفروا بعيسى وبالله ، إذ جعلوا المسيح ابن الله ، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا » . ونرى أن نص القرآن يفيد أن الذين يخبر عنهم - سبحانه طائفة واحدة آمنت ثم كفرت ، ثم آمنت ثم كفرت ، ثم ازدادت كفرا . . . وما قاله ابن جرير يؤدى إلى أن يكون الكلام في طائفتين : إحداهما اليهود والأخرى النصارى ، ولذلك نرى